الخطيب الشربيني
167
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
أمري ليس بصغير فإن لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير فدعاهم موسى عليه السّلام وقال : إنّ الله تعالى يأمركم أن تعلقوا في أرديتكم خيوطا خضرا كلون السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها ففعل بنو إسرائيل ما أمرهم به واستكبر قارون ولم يفعل وقال إنما يفعل هذا الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم وكان هذا بدء عصيانه وبغيه . ولما قطع الله تعالى لبني إسرائيل البحر وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون عليه الصلاة والسلام فحصلت له النبوّة والحبورة وكان له القربان والذبح وكان لموسى عليه السّلام الرسالة فوجد قارون لذلك في نفسه وقال يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء لا أصبر أنا على هذا فقال موسى : عليه السّلام والله ما صنعت ذلك لهارون بل الله تعالى جعلها له فقال قارون : والله لا أصدقك حتى تريني بيانه فجمع موسى عليه السّلام رؤساء بني إسرائيل وأمرهم أن يجيء كل رجل منهم بعصا فجاؤوا بها فحزمها وألقاها موسى عليه السّلام في قبة له كان يعبد الله تعالى فيها وكان ذلك بأمر الله تعالى ودعا موسى عليه السّلام أن يريهم بيان ذلك فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون عليه السّلام وقد اهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال موسى عليه السّلام لقارون : ألا ترى ما صنع لهارون ؟ عليه السّلام فقال : والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر فاعتزل ومعه ناس كثير ، وولي هارون عليه السّلام الحبورة وهي رياسة الذبح والقربان وكانت بنو إسرائيل يأتون بهداياهم إلى هارون عليه السّلام فيضعها في المذبح وتنزل نار من السماء فتأكلها ، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتبع من بني إسرائيل فكان لا يأتي موسى عليه السّلام ولا يجالسه ، وروي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « أن قارون كان من السبعين المختارة الذين سمعوا كلام الله تعالى » « 1 » ولما ذكر الله تعالى بغيه ذكر سببه الحقيقي بقوله تعالى : وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ أي : الأموال المدفونة المذخورة فضلا عن الظاهرة التي هي بصدد الإنفاق منها لما عساه يعرض من المهمات ما أي : الذي أوتي شيء كثير لا يدخل تحت حصر حتى إِنَّ مَفاتِحَهُ أي : مفاتح الأغلاق التي هو مدفون فيها وراء أبوابها لَتَنُوأُ أي : تميل بجهد ومشقة بثقلها بِالْعُصْبَةِ أي : الجماعة الكثيرة التي تعصب أي : يقوي بعضهم بعضا أُولِي أي : أصحاب الْقُوَّةِ أي : تميلهم من أثقالها إياهم . تنبيه : في المبالغة بالتعبير بالكنوز والمفاتيح والنوء والعصبة الموصوفة ما يدل على أنه أوتي من ذلك ما لم يؤته أحد ممن هو في عداده وكل ذلك مما تستبعده العقول فلذلك وقع التأكيد . واختلفوا في عدد العصبة : فقال مجاهد ما بين العشرة إلى خمسة عشر ، وقال الضحاك عن ابن عباس ما بين الثلاثة إلى العشرة ، وقال قتادة : ما بين العشرة إلى الأربعين ، وقيل : أربعون رجلا ، وقيل سبعون وروي عن ابن عباس قال : كان يحمل مفاتيحه أربعون رجلا ، أقوى ما يكون من الرجال . وقال جرير عن منصور عن خيثمة قال : وجدت في الإنجيل أن مفاتح خزائن قارون وقر ستين بغلا ما يزيد فيها مفتاح على أصبع لكل مفتاح كنز ، ويقال : كان قارون أينما ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه وكانت من حديد فلما أثقلت عليه جعلت من خشب فثقلت فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلا ، وفي الباء في بالعصبة : وجهان
--> ( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي .